عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

29

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

شيئا يلجأ إليه فرأى خيمة فأتاها فوجد فيها امرأة فتركها فإذا عليه بغار في جبل فأتاه فإذا فيه أسد عظيم فوضع يده على رأسه وقال : يا إلهي جعلت لكل شيء مأوى ولم تجعل لي مأوى فأوحى اللّه إليه مأواك في مستقر رحمتي ولأزوجنك مائة حوراء يوم القيامة ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام يوم منها كعمر الدنيا ، ولآمرن مناديا ينادي أين الزهاد في الدنيا زوروا عرس الزاهد عيسى ابن مريم عليه السلام . ورأيت في فتوح الغيب للشيخ عبد القادر الكيلاني رضي اللّه عنه : إذا رأيت الدنيا بزينتها في أيدي أبنائها مع سرعة هلاكها وقتلها لمن مسها فكن كمن رأى إنسانا على غائطه قد بدت سوأته وفاحت رائحته فإنك تغض بصرك عن سوأته وتسد أنفك من نتن رائحته فهكذا كن في الدنيا إذا رأيتها فغض بصرك عن زينتها وسد أنفك من ريح شهواتها ولذاتها تنج منها . ورأيت في منهاج العابدين للغزالي رضي اللّه عنه : مثل الزاهد في الدنيا والراغب فيها مثل رجل صنع خبيصا ووضع فيه سما وزين ظاهره بالسكر فأبصر ذلك رجل ولم يبصره الآخر ولما وضع الخبيص بين أيديهما فالرجل الذي أبصر السم زهد في الطعام والذي لم يبصر السم اغتر بظاهره وحرص عليه . ورأيت في الرسالة القشيرية عن الفضيل رضي اللّه عنه جعل اللّه الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا ، وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد فيها . ورأيت في تفسير القرطبي في قوله تعالى : لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 ) [ الكهف : 45 ] شبه اللّه الدنيا بالماء لأنه لا يستقر في موضع كذلك الدنيا لا تدوم على حالة ولأنه لا يدخله أحد إلا ابتل كذلك الدنيا لا يسلم من تعلق بها من فتنها ولأنه إذا كان بقدر الحاجة ينفع وإذا جاوز المقدار يضر كذلك كثيرها . ( قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى ) فهمت من تشبيه الدنيا بالماء معنى لطيفا وهو أن الماء الكثير وهو قلتان فصاعدا وسبق أول الكتاب بيانهما لا يحمل خبثا إذا لم يتغير له طعم ولون وريح كذلك الدنيا إذا كثرت في يد المؤمن ولم يتغير طعمها من حرام ولا لونها بشبهة ولا رائحتها بإعجاب وافتخار لا تضر صاحبها إن شاء اللّه تعالى إذا كان في قلبه رعد الخوف وبرق الرجاء . قال القرطبي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : الرعد ملك يسوق السحاب وإن بحار الماء لفي نقرة إبهامه . وقال غيره إنه على كرسي بين السماء والأرض عن يمينه سبعون ألف ملك وعن يساره كذلك إذا سبح سبح الجميع من خوف اللّه تعالى وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تأخذ الصاعقة ذاكر اللّه تعالى » وقال كعب : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاث مرات عوفي مما في ذلك الرعد » قال بعض الصحابة رضي اللّه عنهم : كنا في سفر فطلعت سحابة فقلنا ما قاله كعب ثم لحقنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وقد أصابه بردة وقد أثرت في أنفه فقلنا ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال بردة قد أصابتني فقلنا إن كعبا علمنا أن نقول عند ذلك الرعد كذلك فقال هلا كنتم أعلمتموني ؟ قال علي رضي اللّه عنه : قال يهودي يا محمد أخبرني عن ربك أهو من لؤلؤ أم من ياقوت ؟ فجاءته صاعقة فأحرقته . وقال الحسن :